بعدكِ عتمة.. الحروف المختنقة في حلقي، الحروف التي أحاول ابتلاعها أو اخراجها، محشوة كصبارة كبيرة،
وصدري على اتساعه، بدا مغلقا، غير آبه بسطوة الآمال القديمة، الحلم ذاته يتكرر كل ليلة، منذ غبتِ وأنا أتذوقه وجعا: ماتت يقول لي صوت في المنام، فأبكي، وأراكِ.. ممددة كما كنتِ في البياض والآن يا طفلتي،
آليوم هو يوم ميلادك حقا؟
أذكر المطر، أذكر رغيف خبز ساخن تقاسمته مع أخواي، يوم ولدتِ. كنا أسفل الدرج نحاول أن نفهم أين ذهبت أمّنا، ولماذا تأوهت طويلا، لماذا انتفخ بطنها على هذا النحو المقلق.. وحين أتيتِ، صغيرة، وجميلة، وباكية، بلفّة بيضاء وأقماط ملونة، بدأت الدهشة تتخلق في أحشائنا..
هو يوم ميلادكِ إذن!
سأعترف أني جمعت كل رسومكِ، جمعتها وأنا أتذكر ما قلتِه لي، في يوم ميلادك الثامن عشر: ماذا أتمنى؟ ستصدقين، أني لا أتمنى شيئا على وجه التحديد..! فتحت فمي إلى آخره واستنكرت، سهرنا يومها طويلا، ونحن نحاول أن نجد من الأماني ما يليق بنا، جلبنا الشمع، وحدثتكِ عن الأحلام التي تبدأ صغيرة ثم تكبر، تكبر..قررت أن أجمعها كي أقول لك، في ميلادكِ التاسع عشر، أن كل لوحة/ رسمة عين/ شجرة/ لون، كلها كانت آمالا..
فماذا عساي اليوم أفعل دونكِ.. والساعة لا تحميني من الملح!
هل أخبرتكِ أن مكانك فارغ، فارغ..
أني اتصلتُ بك طويلا، طويلا، وأني وددت لو يخرج صوتكِ ضاحكا كما اعتدت، أني تلعثمتُ في الخطو، وتأتأتُ، ونسيتُ حصصي، وكتبي، ونفسي..
ما زلتُ أحضر لنا ثلاث أكواب من الشاي الخفيف،
ما زلت أترك لكِ فسحة عند الشباك الأيمن في السيارة كما تحبين،
وما زلت أمشي تاركا لكِ الوسط بيننا،
ها قد اصبحنا اثنتين بعدك..
عند انهاء روايتي أدركتُ ذلك عميقا، كنتِ تقولين لي، يوم وفاتك: هاه؟ أينها تلك السطور؟ وعدتِني أن تبعثيها اليوم.. وكررت وعدي بأن أفعل..
منتظرة رأيك كنت، منتظرة عيونكِ الفرحة باكتمالها، وتلك الانفعالات اللذيذة على وجهك،
فأين غاب يا قمري كل هذا؟
كلام كثير لم أقله لك،
كثير، كثير
فأين كنا من العمر يا أسماء؟!



