معن سمارة
الحلقة الخامسة
لا أدعي هنا أنني عرّاب أو ناقد أو مميّز أو متقدّم على أحد لأقدم هذه الأسماء بكل ما تحمله من طاقة، ولغة، وتجربة... إنني هنا أحاول أن أكون، كما أنا، هامشياً يقف على الرصيف، وأنادي على الـمارة الذين يحملون الجرائد تحت آباطهم ويمضون للـمقاهي، والعمل، والأسواق... أرجوكم انتبهوا لبسطتي هذه... فيها أسماء جديدة مختلفة بتجربة جديدة ومختلفة... هم يستحقون أن نلتفت إليهم، ونعجب وننتقد ونسرق ما يكتبونه على دفاترهم الخاصة... ونجادلهم الرؤى والقيم والهواجس، وأن نسبح معهم على شواطئهم...
لهم الحق في أن نصفق لهم إن أبدعوا... وأن ننتقدهم إن أبدعوا أيضاً.
هي محاولة أولية وبدائية جداً مني لأقدم هذه الأصوات على تنوعها، عبر بسطتي هذه، آملاً أن تؤسس مبادرتي إلى الانتباه الأعمق والأشمل لهذه الأسماء ورعايتها، والاهتمام بها كجيل سيحمل الثقافة والأدب الفلسطيني لاحقاً، ومساعدتها على الظهور على الـمستويين الـمحلي والدولي.
أسماء شاكر بين اقتصاد اللغة وجنون الـمعنى والصور
عندما تقرأ نصاً يغذي روحك بمعان وصور ملأى بالتفاصيل والأحلام، وخيالاً يأسرك حد الدهشة، ولغة مختزلة في الحروف والكلام، فاعلـم أن أسماء شاكر موجودة هنا على شكل نص يسبح في بحر التفاصيل أعلاه... هي تكتب تجربتها بشكل يوحي بالأمل، ويعطي تفاصيل كثيرة عبر كثافة في السرد، ولغة مقتصدة في حروفها.
تعيش أسماء شاكر (22 عاماً) في رفح حالياً، بعد اغتراب وغربة أنجبتها في ليبيا، وعاشت طفولتها في الأردن، ثم في مخيم للاجئين على الحدود الـمصرية.
أسماء تعمل حالياً صحافية وكاتبة فنية نقدية في موقع الجزيرة نت الإلكتروني، وجريدة الأخبار اللبنانية، وهي عضوة هيئة استشارية لهيئة التحرير في مجلة فلسطين الشباب، كما أنها تعمل مدربة في مؤسسات عدة للأطفال مثل مؤسسة تامر للتعليم الـمجتمعي، ومؤسسة بيالارا، وغيرها. وهي تكتب الشعر والقصة القصيرة، والقصيرة جداً، والـمقال الصحافي والنقدي، وتمارس عملها وهوايتها في مجال التصوير.
تعويذةُ الذهَبِ الأبيضْ
يَرشَحُني عَرَقٌ بارِدٌ .. دونَ رَائِحة، يُهَدهِدُني الأَرَق، يُخَلْخِلُ الليلَ فيَّ كقِماَشة على حَبلِ رِيح ٍ صَعبة الـمِراس.
يَبتلُ شَعرِي القَتيِلُ بِوسَادَةِ مِلح، أبْتَلُ بفَرَاشةٍ مَوشومَةُ الظِلِ... تغوِي ضُوءاً أعمي فَقَد انعِكاس الـمَرايا.
يتسَاقَطُ الوَقتُ بِثمالة، يَتكَسرُ على حَوافِ انهِيَاراتٍ صَغيرة، كخَريف، كَخِفَّة ... كَعُمق ٍلا كُّنَه له.
يَسقط ُ دُون دَويّ ...
وُدونَ ُسقوطٍ أَجِدُني مَصلُوبَةُ علي سَريرٍ من وَحشَة، يَهُزُّ النَبضَ، يُوقِظُ الكابُوسَ في صَحويّ الرَخو، فأرتجِف.
يَتيبسُ الليلُ، يَعلقُ كغيمةٍ خشنة فوق نافذة... كانت تُصلي للنوم، وللـمَناماتِ البعيدة، وتغفو.
يَتقّرحُ السهر في عينيّ، يُحدقُ بصمتٍ ذاهل قتامة َالفراغ ِ ... ظِلُها النزِقُ الذي يتهدلُ السقفَ بعناد، مُتهدِّجاً كخفق ٍ بعيد، مُعبأً بالسرابِ ككائن ٍ خرافي.
كانتْ تَدورُ في طقس ٍ راقص، يُشبه الانتحارَ على شَمعةٍ مطفئة بالانتظار ... تلـملـمُ نزف غيابها، تنحسرُ في جهةِ الضوء وفي ظل الحكاياتِ الـملونة... تخفتُ كلـما انتفضَ تَوقُّدٌ أزرق، مخدراً بستارة الهواء التَعِب.
كانتْ ترْزَحُ كُحلاً رَطِباً يُشبِهُ البُكاء / تصلِبُ جناحَيها بِكبرياءٍ قديم / تتجمدُ على عُنُقي كموتٍ رُخامي... كتعويذةٍ ... من ذهَبٍ أبيض.
حرب ...من الجهات الأربع.
( يوميات ...)
(1) نوافذ ... للـمطر
انفجار قريب... قريب جداً، ينفض الجدران
صوت الزجاج يتهاوى بارتطامات هائلة، أشياء كثيرة تتناثر.
دخان أسود كثيف، إطفائيات، سيارات إسعاف تهذي...
أمتار قليلة مرتبكة، نوافذ مفتوحة تفصل ذهولي عن ذاك الحريق الذي تسبب به القصف.
ساعة ونصف من اشتعال ودخان، ركام بناية يتهدل على الأرض، قطع زجاج كثيرة، واجهات مبان محترقة نهشتها النار، ورغوة بيضاء متبقية على الشارع.
الشارع دون رصيف... هواء الليل البارد يجمد البكاء.
في الصباح... تنبهت لصوت أبي، يلصق أكياساً من البلاستيك على النوافذ، بدلاً من الزجاج... كانتْ السماءُ تمطِر .
(2) غارة وهمية
كل شيء يهتز... البلاط والباب وحتى بلاستيك الشبابيك، دوار مزمن يلتبس الهواء مع كل غارة.
يمر سرب طائرات (الأف 16)... هناك... فوق، يصنع خطوطاً مستقيمة من دخان، تمزق بياض السحب.
"غارات وهمية"... هكذا قال أبي لارتعادنا فوق تلك الزلازل الصغيرة...
"بيشوطوا بالهوا، شكلهم طيارين صغار بيتدربوا.. لا تخافوا".
قصفٌ نوعي آخَر، اهتزازات متتالية من ضغط الهواء... صوت انفجارات تتساقط، لـم تكن... أبدا لـم تكن من هواء.
(3) دوران
نتكوم عند شريط الأخبار الدائري، نحدق بقلق... يدور الشريط، يرتج وجه الـمذيعة في النشرة، يتكسر الصوت، الزنانة أيضاً تدور وتأكل الإرسال.
خبر جديد... آخر
(الجيش الإسرائيلي يعلن عن بدء العملية البرية في القطاع)
أحرك السكر في كوب الشاي... أحركه ولا يذوب، يضيء ذاك الجهاز...
تصلني رسالة على عجل: "أدعو للـمقاومين، إخوتي خمسة راحوا... هناك".
يبرد الشاي ، تدور الزنانة... شريط الأخبار يدور، يقول الـمراسل:
"يبدو أن الأيام القليلة القادمة ستكون أسوأ من ...".
(4) مناشير ... للبيع
نهاية النهار ...
لـم تكن غارة وهمية، لـم يكن قصفاً، كانت طائرات "مسالـمة"، ترمي قنابل من ورق، تشبه نتف براقة جميلة، تلـمع في وجه الشمس وبقايا الضوء الـمنسحب.
تهبط على مهل فوق السطوح والشوارع، تعلق على أسلاك الكهرباء والأعمدة.
ضجيج الصبية يلعبون في الحارة، كان أحدهم يجمع الأوراق الـمتساقطة بفضول، يشكها بخيط، ويركض منتعلا الأرض... يصيح : "مناشير .. مناشير للبيع".
يتبعه بقية الأولاد، يخطفونها من يده، يمزقونها... ويضحكون.
غَيمة قَرِيبَة...
لَمَحتْ البابَ نِصف مفتُوح، أزَاحَتهُ قَليلاً عن الشارع، كانتْ السَماءُ رَمادية، والغيم يَقطنُ حافة البَلل.
رَفعت الصغيرةُ أصابعَ قدميهَا الدقيقتين، حدّقتْ في السماء، وابتسمتْ ...
رَكضتْ بِفرح إلى أمِهَا...، سَحبتْ يديها إلى الباب، قَفزتْ بنشوةِ اكتشافِها الأول لذلكَ الاتساع الذي َيعلُوها، دارتْ على العتبة نصف دائرة، وأشارتْ إلى غَيمةٍ قريبة
ــ : انظري... انظري... إنه الله يهبِطُ إلينا، جاء ليزورنا !
ارتَعدتْ الأم، احتَضنتْ صغيرتَها بخوف... أغلقت الباب بوجل، تُتَمتِمُ تراتيل غير واضحة، لـمْ تفهمها.
انحنت بقُبلةٍ على جبينها، كان صوتُها خَافتاً:
ــ تِلكَ غيمة... وليست الله، نحن لا نرى الله.
حَزِنتْ الصغيرة، لكنها... لـم تكُفَّ عن التحديقِ في السماء ... بعينين واسعتين.
الطِفْلةُ... الثَلج
اتَسعتْ حدقتا عينيها الصغيرتين، ازدَادتْ خفقاتُ قلبها، اقتربتْ من النافذة... اقتربت أكثر... التصقتْ أناملها بالزجاج تتحسس شكل البرودة.
كان الثلجُ يتساقط... بقع صغيرة من بياض، تُشبِهُ نِتَفَ غيمةٍ مُمَزقة، تتناثرُ في الهواء، تَسقطُ على مَهل، تَتكّوم فوق النوافذِ والأرصفة وأعمدة الكهرباء.
تَجاوزتْ الباب... تجاوزت الهواءَ البارد وضجيج الصباح، لا شيء سوي عَينين واسعتين وقبعة صوفية ومعطف.
تَنهدتْ ... أغمضتْ الضوءَ في عينيها، َمدّتْ ذراعيها إلى آخر نقطة في البياض ، تَمنتْ أن يُغطيها الثلج كشجرةِ سَروٍ صغيرة، غيرَ أنه كان يذوب ويختفي كلـما هبط فوق قبعتها.
.............
..............
أنحَت على الأرض... غرزت أصابعها في الثلج، كان ناعماً قطنياً، كومته بيديها... وملأت به الـمعطف.
شادي أبو جراد الطفل الغريب القلق
يعيش شادي أبو جراد (30 عاماً) في مدينة طولكرم، ويمارس الكتابة منذ عدة أعوام ليكتب عن القلق، عن الفكرة والآخر، الآخر الذي يعذبه، لكنه يستشف الحياة منه، كما يقول. وهو يكتب الشعر كطفل ما زالت تنمو الحياة في عينيه بتلك الأسئلة الأولى التي تتشكل في كل خطوة يخطوها صوب نفسه. واعتمد لذلك منذ البداية، على تزاحم الصور وضمّها لتشكل رؤيا محددة، يخلقها من تجاربه وتجارب الآخرين.
يعمل شادي مجالات نقابية واجتماعية مختلفة في مدينته طولكرم ومحافظات أخرى، ويدرس الخدمة الاجتماعية في جامعة القدس الـمفتوحة.
ينشر شادي الشعر عبر مواقع إلكترونية عدة، وله ديوان شعر قيد الطبع تحت عنوان "أثر الغريب".
الغريب قبل الجمعة
غريب
بين الخميس والجمعة
ثمة غريب
لـم يتعلـم النسيان،
لا سيما أنه يمارس التخييم
منذ الولادة...
وبين الخميس والجمعة أيضاً
يخرج الغريب
مثل أرنب الساحر
بأذنين من قلق !!
جمهور
بينما أقضم أظافري
"هوايتي الـمفضلة"
أطّلع إلى جمهور البعوض
الـمتمركز حول "لـمبة" الشارع
وحده البعوض
يدرك موت البطل
في النهاية !!
إجازة
الصفحة تبدو
أكثر بياضاً
ربما،
لأنّ غداً إجازتها الأسبوعية !!
فكرة
فكرة ناقصة
أن يستلقي الرجال
"نياماً"
بعد أسبوع عناء في غريب ما...
الـملاءات
تنهش
أثر
الانتظار !!
إلى حتفي
ألف روحي بورق السوليفان
كي تصلك أكثر لذة...
أظنني لـم أدرك موتي
على عتبات مائك !!
إذا...
سأحاول اقتفاء الحصى في درب الأقحوان
فارّاً من جناح قبّرة...
أعود ..
مضطجعاً فوق شفتيّ ..
كفيروس تطاير في ريح
بعدما فكّت أغلاله سعلة ما
أضاءت في الأزرق درباً إلى حتف ..
كل ما تمنيت في عام مضى
أودعته بطاقة يانصيب
خلّفتها في حضن إحداهن
فِ العام الذي مضى...
أخبرتني للتو
أن بطاقتي لـم تربح...
كل ما تمنيت في عام مضى
أجهضته إحداهن على رصيف...
غداً في تمام التاسعة
ستسير إلى رام الله ..
هذا فقط ما ألقاه في أذني
مسؤول أكبر شأناً
وغاب عبر ترددات لاسلكية ...
منذ التاسعة تماماً أفكر...
ما الذي سيدعوني للذهاب في وجهة مجهولة
وان كان صوت مسؤول أكبر شأناً ؟؟!!
وغداً في تمام التاسعة
سأسير إلى رام الله ..
في تراتب لا متناه
إلى حتفي تسير بي الحياة ...
| Comments |
|
Powered by !JoomlaComment 3.26
