إنه لَمن الطريف حقاً كوني ممن لا يعلقون بالذاكرة لأكثر من خمس دقائق بُعيد لقائهم ، عندما يصادفني أحدهم للمرة الثالثة و يبدأ بالحديث عن نفسه ؛ لتعريفي به لا بقصد التباهي أو ما شابه طبعاً ، و في كل مرة يخبرونني عن المعدل الذين حصلوا عليه في التوجيهي و التراكمي عند تخرجهم من الجامعة ، و كيف أن وظيفتهم هي الأفضل ، و تحدثني تلك عن خطيبها مراراً و تكراراً بناءً على أنها المرة الأولى التي تصادفني بها و تريد أن تعرفني بنفسها لا أكثر طبعاً ، و في كل مرة "نتعارف" فيها يبدو خطيبها أكثر مالاً و جمالاً ! ، و هذه التعارفات المتجددة المتكررة لا تخلو من المخضرمين الذين لا ينفكون يروون بطولاتهم و كيف أن كلاً منهم كان الفتى الوحيد الذي رفض الهرب و رمى أول حجر على الدبابة التي جرفت بيتهم في يافا ، ناهيك عن الحجة أم حسين المصابة أصلاً بالزهايمر فهذه لا أمل أن تذكر يوماً أنّا تعرفنا مسبقاً ، فتروي لي قصصاً من أيام الانتداب البريطاني ، فيمكنها أن تذاكر لي كتاب التربية الوطنية لأنه كان نشرة الأخبار اليومية التي تسمعها ، قد تسمعني كل القصص تلك دون كللٍ أو ملل ، و دونما أن تنسى تفصيلاً صغيراً ، و لكن ليس بمقدورها تذكر المرات المئة التي سألتني فيها عن اسمي.
إحدى محاسن هذا الوجه غير القابل للتذكر الذي أملكه يظهر في العراكات التي يمكنني خوضها و استنزاف كل ما أملك من غضب في الشجار مع أحدهم دون أن يذكر ملامحي في اليوم التالي ، فإذا تجمع الصحب للقضاء على أحد الغادرين ، قد يتهم أي منهم بضرب المسكين ، لكن هذا لن يحصل أبداً معي بفضل هذه النعمة التي أملك.
| Comments |
|
